الشوكاني
27
فتح القدير
ويمكن أن يقال إن منصب النبوة لما كان لعظم قدره وجلالة خطره بحيث لا ينسب إلى غير من هو له قال فيه ( إذ جعل فيكم أنبياء ) ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قال به كما تقول قرابة الملك نحن الملوك ، قال فيه ( وجعلكم ملوكا ) وقيل المراد بالملك : أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون ، فهم جميعا ملوك بهذا المعنى : وقيل معناه : أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن ، وقيل غير ذلك . والظاهر أن المراد من الآية الملك الحقيقي ، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى . فإن قلت : قد جعل غيرهم ملوكا كما جعلهم . قلت : قد كثر الملوك فيهم كما كثر الأنبياء ، فهذا وجه الامتنان . قوله ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) أي من المن والسلوى والحجر والغمام وكثرة الأنبياء وكثرة الملوك وغير ذلك . والمراد عالمي زمانهم . وقيل إن الخطاب هاهنا لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو عدول عن الظاهر لغير موجب ، والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أنه من كلام موسى لقومه وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيدا لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدسة . وقد اختلف في تعيينها ، فقال قتادة : هي الشام ، وقال مجاهد : الطور وما حوله ، وقال ابن عباس والسدي وغيرهما : أريحاء ، وقال الزجاج ، دمشق وفلسطين وبعض الأردن . وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده . والمقدسة : المطهرة ، وقيل المباركة ( التي كتب الله لكم ) أي قسمها وقدرها لهم في سابق علمه وجعلها مسكنا لكم ( ولا ترتدوا على أدباركم ) أي لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين جبنا وفشلا ( فتنقلبوا ) بسبب ذلك ( خاسرين ) لخير الدنيا والآخرة ( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ) قال الزجاج الجبار من الآدميين العاثي ، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد ، وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه ، فإنه يجبر غيره على ما يريده ، يقال أجبره : إذا أكرهه ، وقيل هو مأخوذ من جبر العظم ، فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه ، ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعا بحق أو باطل ، وقيل إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه . قال الفراء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين ، جبار من أجبر ، ودراك من أدرك . والمراد هنا : أنهم قوم عظام الأجسام طوال متعاظمون ، قيل هم قوم من بقية قوم عاد ، وقيل هم من ولد عيص بن إسحاق ، وقيل هم من الروم : ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط ، وعنق هي بنت آدم ، قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع . قال ابن كثير : وهذا شئ يستحيا من ذكره ، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص " ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا ، وأنه كان ولد زنية ، وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته ، وهذا كذب وافتراء ، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - ، وقال تعالى - فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين - وقال تعالى - لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم - . وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد زنية ؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع ، ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم ، انتهى كلامه . قلت : لم يأت في أمر هذا الرجل ما يقتضى تطويل الكلام في شأنه ، وما هذا بأول كذبة اشتهرت في الناس ، ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التي وضعها القصاص ونفقت عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم ، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة ، وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية ولا معرفة به أن يدع التعرض لتفسير كتاب الله ، ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب